عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

194

الذيل على طبقات الحنابلة

والمدينة النبوية ، وبيت المقدس . وكان له حرمة عند الملوك والسلاطين ، خصوصاً ملوك الشام بني أيوب . وقدم بغداد حاجاً سنة اثنتي عشرة وستمائة . وأكرمه الخليفة الناصر . وأظنه وعظ بها هذه السنة ، وحضر فتح بيت المقدس مع السلطان صلاح الدين . قال : واجتمعت بالسلطان في القدس بعد الفتح بسنتين وسألني عن مذهب الإمام أحمد في الخضاب بالسواد ؟ فقلت : مكروه ، وسألني عن الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين . فذكرت المذهب في ذلك . فاعترضني بعض الفقهاء الحاضرين ، وجرى بيني وبينه مجادلة ، فأكثر من الصياح ، فصاح السلطان عليه : اسكت ، صيحة مزعجة ، فسكت وسكتنا لحظة ، ثم قال لي : تَمِّمْ كلامك فذكرت ، ثم سكت . فحكى السلطان قال ؛ كان المجبر الفقيه يتكلم مع الجمال الحنفي ، فكان الجمال يبقبق ، والمجبر يحقق . ثم سألني بعد ذلك عن مذهب أحمد في الشبابة ؟ ثم قال : معكم غير حديث ابن عمر ؟ وبسطني في الكلام ، حتى ذكرت له حسن أصوات أهل إصبهان . وذكر الطوال من الصحابة . وقال كانوا يسمون " مقبلي " وتوقف . فقلت : الطعن . فقال : الطعن . فكأن بعض الحاضرين نَفَس عليَّ سؤال السلطان لي ، وإقباله على كلامي ، فقال : من أربعة من الصحابة من نسل رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت : أبو بكر الصديق ، وأبوه أبو قحافة ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر . ثم قال السلطان : هاتوا شيئاً ، فمدوا له سماطاً مختصراً جداً ، بعد عشاء الآخرة بساعتين ، فكلنا معه . فقال لي بعض أصحابه : هذا من أجلك ، فإن له أكثر من شهر ما أكل بالنيل ، ثم أخذ يثني على والدي ، ويقول : ما أولد إلا بعد الأربعين . قال : وكان عارفاً بسيرة والدي . ودرس الناصح بعدة مدارس ، منها مدرسة جده شرف الإِسلام ، ودرس بالمسمارية ، مع أبي المعالي أسعد بن المنجي ، ثم استقل بها وحده ، وعزل ابن المنجي